الغزالي
445
إحياء علوم الدين
الثالث : الخوف من ركوب الخطايا والذنوب بها ، فإن ذلك مخطر ، وبالحرى أن يورث مقت الله عز وجل لشرف الموضع . وروى عن وهيب بن الورد المكي قال : كنت ذات ليلة في الحجر أصلي فسمعت كلاما بين الكعبة والأستار يقول إلى الله أشكو ثم إليك يا جبرائيل ما ألقى من الطائفين حولى من تفكرهم في الحديث ولغوهم ولهوهم ، لئن لم ينتهوا عن ذلك لأنتفضن انتفاضة يرجع كل حجر منى إلى الجبل الذي قطع منه وقال ابن مسعود رضي الله عنه ما من بلد يؤاخذ فيه العبد بالنية قبل العمل إلا مكة ، وتلا قوله تعالى : * ( ومن يُرِدْ فِيه بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْه من عَذابٍ أَلِيمٍ « 1 » ) * أي أنه على مجرد الإرادة ويقال إن السيئات تضاعف بها كما تضاعف الحسنات . وكان ابن عباس رضي الله عنه يقول الاحتكار بمكة من الإلحاد في الحرم . وقيل الكذب أيضا وقال ابن عباس : لأن أذنب سبعين ذنبا بركية أحب إلى من أن أذنب ذنبا واحدا بمكة . وركية منزل بين مكة والطائف ولخوف ذلك انتهى بعض المقيمين إلى أنه لم يقض حاجته في الحرم بل كان يخرج إلى الحل عند قضاء الحاجة . وبعضهم أقام شهرا ، وما وضع جنبه على الأرض . وللمنع من الإقامة كره بعض العلماء أجورد ورمكة ولا تظنن أن كراهة المقام يناقض فضل البقعة ، لأن هذه كراهة علتها ضعف الخلق وقصورهم عن القيام يحق الموضع . فمعنى قولنا : إن ترك المقام به أفضل ، أي بالإضافة إلى مقام مع التقصير والتبرم ، أما أن يكون أفضل من المقام مع الوفاء بحقه فهيهات . وكيف لا ولما عاد رسول الله صلَّى الله عليه وسلم إلى مكة استقبل الكعبة وقال [ 1 ] « إنّك لخير أرض الله عزّ وجلّ وأحبّ بلاد الله تعالى إلىّ ولولا أنّى أخرجت منك لما خرجت » وكيف لا . والنظر إلى البيت عباده ، والحسنات فيها مضاعفة كما ذكرناه ؟
--> « 1 » الحج : 25